انطلقت يوم الأربعاء 9 سبتمبر 2026 بمدينة ياسمين الحمامات بالجمهورية التونسية، أعمال النسخة الثانية من قمة الذكاء الاصطناعي نحو المستقبل AI-Forward Summit 2026، التي تنظمها المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات بحضور ومشاركة معالي الأمين العام لجامعة الدول العربية، وبالتعاون مع وزارة تكنولوجيات الاتصال بالجمهورية التونسية، تحت شعار:“صياغة مستقبل الذكاء: من الرؤية إلى القيمة” “Shaping the Intelligence Future: From Vision to Value”

وتجمع القمة، التي تتواصل فعالياتها إلى غاية يوم 10 سبتمبر 2026، أكثر من 450 مشارك من المنطقة العربية والأفريقية وبقية دول العالم، من صناع القرار والخبراء وممثلي الحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية والقطاع الخاص والشركات الناشئة والمؤسسات الأكاديمية ومجتمعات الابتكار، في إطار حوار استراتيجي رفيع المستوى يهدف إلى تسريع الانتقال من مرحلة صياغة الرؤى والاستراتيجيات إلى مرحلة التنفيذ وتحقيق الأثر الملموس والقابل للقياس.

وانطلقت أعمال القمة بجلسة افتتاحية تضمنت عرضاً فنياً من إنتاج مركز تونس الدولي للاقتصاد الثقافي الرقمي، تلتها كلمات رفيعة المستوى تناولت التحولات المتسارعة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على الاقتصادات والمجتمعات، وأهمية تعزيز التعاون العربي والأفريقي والدولي لبناء منظومات ذكاء اصطناعي آمنة وموثوقة وشاملة ومستدامة.

وفي كلمته خلال الجلسة الافتتاحية، رحّب سعادة المهندس محمد بن عمر، المدير العام للمنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات، بالمشاركين في القمة، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تكنولوجيا ناشئة، بل أصبح عاملاً مؤثراً في الاقتصاد والإنتاج وسلاسل القيمة وسوق العمل والأمن والسيادة وموازين القوى بين الدول والمناطق.

وشدد سعادة المدير العام على أن المنطقة العربية والأفريقية تمتلك فرصة مهمة للاستفادة من هذا التحول، غير أن تحقيقها يتطلب تسريع الجهود وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية ومراكز البيانات والحوسبة والابتكار.

وأكد المهندس محمد بن عمر أن بناء اقتصاد الذكاء يقتضي أولاً بناء مجتمع الذكاء، من خلال الاستثمار في المواهب والشباب والمرأة، وتعزيز الشراكات متعددة الأطراف في مجالات البيانات والبنية التحتية والبحث، والتطوير وتنمية المهارات والاستثمار. كما شدد على ضرورة تطوير أطر حوكمة للذكاء الاصطناعي تضمن الأمن والموثوقية والأخلاقيات والشمول والسيادة الرقمية، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من الرؤية إلى القيمة، ومن الطموح إلى التنفيذ، عبر تعاون إقليمي ودولي قادر على تحويل الإمكانات التكنولوجية إلى نتائج ملموسة ومستدامة.

وفي ختام كلمته، جدّد سعادة المدير العام التزام المنظمة بمواصلة العمل مع الحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية والقطاع الخاص ومجتمع الابتكار، لتعزيز التعاون وبناء شراكات عملية تسهم في صياغة مستقبل ذكي وآمن وشامل ومستدام، معرباً عن شكره لجميع الشركاء والرعاة وفريق المنظمة على مساهماتهم في إنجاح تنظيم القمة.

من جهته، أكّد سعادة السيد محمد بن عياد كاتب الدولة لدى وزير الشّؤون الخارجيّة والهجرة والتّونسيّين بالخارج أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح قوة تحول شاملة تعيد تشكيل الاقتصاديات والمجتمعات، وتمثل فرصة تاريخية لتعزيز التنمية وتحسين الخدمات ودعم الابتكار، لكنه يحمل في الوقت ذاته مخاطر تعميق الفجوات القائمة، ولا سيما بين الدول القادرة على إنتاج التكنولوجيا والبلدان النامية. وشدد على أن تونس تدعو إلى ضمان نفاذ عادل وشامل إلى فرص الذكاء الاصطناعي من خلال دعم البنية التحتية الرقمية، وبناء القدرات، ونقل التكنولوجيا والمعرفة، بما يمكّن الدول النامية من أن تكون شريكاً في إنتاج المعرفة والتكنولوجيا وصياغة قواعدها، وليس مجرد مستهلك لها.

وفي هذا السياق، أكد كاتب الدولة على أهمية مواصلة الجهود الدولية في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي، في إطار تعددي وشامل، بما يضمن مشاركة فعلية للدول النامية في صياغة القواعد والمعايير الدولية، ويعزز احترام حقوق الإنسان والتنمية الشاملة. كما أبرز أهمية تعزيز التعاون العربي والإفريقي والمتوسطي في هذا المجال، والحفاظ على التنوع الثقافي واللغوي، بما في ذلك ضمان حضور متوازن للغة العربية في منظومات الذكاء الاصطناعي.

وأكد كاتب الدولة، من جهة أخرى، أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يظل أداة لخدمة الإنسان وتعزيز قدراته، لا بديلاً عنه، وأن توجيه هذه الثورة التكنولوجية يجب أن يقوم على قيم المسؤولية، والإنصاف والتعاون والسلام.

وفي ختام كلمته، دعا إلى تحويل المبادئ والالتزامات الدولية إلى شراكات وإجراءات ملموسة، بما يجعل من الذكاء الاصطناعي رافعة للتنمية لبناء مستقبل أكثر عدلاً وشمولاً.

وخلال كلمته الافتتاحية، أكد معالي السيد/ نبيل فهمي الأمين العام لجامعة الدول العربية أنّ التحدّي اليوم لم يعد في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر اقتصاداتنا ومجتمعاتنا، بل في كيفية الاستعداد لهذا التغيير والمشاركة في صناعته وتحويله إلى قيمةٍ حقيقية تعود بالنفع على المجتمعات والمواطنين. ودعا إلى ألّا يقتصر الدور العربي على استخدام هذه التكنولوجيا، بل أن يمتدّ إلى المشاركة في إنتاجها وصياغة معاييرها، بالبناء على ما يزخر به العالم العربي من سوقٍ كبيرة وكفاءاتٍ شابّة وتجاربَ رائدة، والاهتمام المتكامل ببنيتها الأساسية من طاقةٍ وقدراتٍ حوسبية وبياناتٍ ونماذجَ وتطبيقات، بما يصون المصالح والسيادة واستقلالية القرار.

وشدّد معالي الأمين العام على أهمية تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار والحوكمة المسؤولة وحماية الحقوق والخصوصية والموروث الثقافي، مؤكّداً أنّ جامعة الدول العربية ستواصل تحويل الاستراتيجية العربية للذكاء الاصطناعي والميثاق العربي لأخلاقياته إلى نتائجَ ملموسة، منوّهاً بقرار إنشاء “اللجنة العربية الدائمة للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات البازغة” إطاراً دائماً لتنسيق الجهود العربية، وتطلّعه إلى أن تُسهم القمّة في الانتقال من الرؤية إلى التنفيذ ومن استخدام التكنولوجيا إلى المشاركة في صناعتها.

من جهته، أكد سعادة السيد رن شيانغ ليانغ Ren Xianliang ، الأمين العام للمؤتمر العالمي للإنترنت (WIC)، أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يمثل فرصة تاريخية لدفع التقدم والتنمية، بالتوازي مع تحديات تتعلق بالحوكمة والأمن والفجوة الرقمية. وشدد على أهمية تعزيز التعاون الدولي من أجل بناء منظومة ذكاء اصطناعي تتمحور حول الإنسان وتخدم الصالح العام، إلى جانب الاستثمار في تنمية المواهب والمهارات الرقمية، وردم فجوة الذكاء، وتعزيز الربط الرقمي والتعاون الدولي، بما يضمن استفادة الجميع من التحول نحو مجتمع ذكي أكثر شمولاً وإنصافاً.

كما أعرب عن استعداد المؤتمر العالمي للإنترنت لتعميق التعاون مع الدول العربية والشركاء الدوليين في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوكمة الرقمية والصحة الرقمية والبنية التحتية والتكنولوجيات الناشئة، والمساهمة في بناء مجتمع ذكاء أكثر شمولاً واستدامة في المنطقة العربية. وأكد أن قمة AI-Forward Summit 2026  تمثل فرصة مهمة لتعزيز التوافق الدولي ودفع التعاون العملي وتبادل الخبرات حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.

وخلال الجلسة الافتتاحية، ألقى السيد حيدر الهراغي، الرئيس المدير العام لمركز الدراسات والبحوث للاتصالات، كلمة نيابةً عن السيد وزير تكنولوجيات الاتصال بالجمهورية التونسية، رحّب فيها بالمشاركين في القمة، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد خيار تقني، بل أصبح خياراً سيادياً وأولوية تنموية وأمنية تستوجب تعزيز التعاون الإقليمي، والدولي وتوحيد الرؤى والسياسات. وشدد على أهمية اعتماد الدبلوماسية الرقمية كأداة لتنسيق السياسات والأطر التشريعية والتنظيمية، ووضع معايير مشتركة تضمن الثقة وتحمي السيادة الرقمية. كما أكد ضرورة الانتقال من الالتزامات والتعهدات إلى عمل منسق ومخرجات ملموسة قابلة للقياس والتنفيذ، من خلال تعزيز الشراكات بين الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص، والاستثمار في البنية التحتية والقدرات الحسابية والبيانات، وتمكين الكفاءات وتعزيز مشاركة المرأة في القيادة التقنية، ودعم الشركات الناشئة والابتكار. وجدد في هذا السياق التزام تونس بتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجال التكنولوجيات المتقدمة، وبالعمل من أجل توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة للسلام والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

 

من جهته، أكد سعادة السيد Seizo Onoe، مدير مكتب تقييس الاتصالات بالاتحاد الدولي للاتصالات (ITU)، دعم الاتحاد الدولي للاتصالات لأعمال القمة، مستذكراً احتضان الحمّامات سنة 2016 الجمعية العالمية لتقييس الاتصالات، وتنظيم الاتحاد سنة 2017 أولى نسخ القمة العالمية AI for Good  بجنيف. وأكّد أنّ عقداً من التقدّم اللافت طرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية استفادة جميع الدول، على اختلاف مستويات تنميتها، من ذكاءٍ اصطناعي جدير بالثقة، مبيّناً أنّ رؤية الاتحاد تقوم على ثلاثة أركان هي الحلول والمعايير والمهارات، وأنّ التعاون الدولي يظلّ مفتاحها، إذ لا تستطيع أيّ دولةٍ بمفردها بناء سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي كاملة. وحذّر من أن يقود السعي إلى منظوماتٍ وطنية قوية إلى العزلة والتجزّؤ، مؤكّداً أنّ المعايير المفتوحة والتوافقية تتيح تقدّماً مشتركاً قائماً على الفهم والثقة، ومستعرضاً جهود برنامج الاتحاد وشراكاته الأممية في تطوير معايير عالمية وتطبيقاتٍ للذكاء الاصطناعي في مجالات الصحة والزراعة والحدّ من مخاطر الكوارث والسلامة المرورية والمدن الذكية. كما أعلن عن إطلاق مختبر “الذكاء الاصطناعي من أجل الخير”  الجديد لتوفير بنيةٍ تحتية عمومية وإرشادٍ خبير، داعياً إلى الانضمام إلى هذا المسار.

إلى التطور اللافت الذي شهده الذكاء الاصطناعي خلال السنوات العشر الماضية، وما يطرحه هذا التطور من سؤال أساسي حول كيفية ضمان استفادة جميع الدول، بمختلف مستويات نموها الاقتصادي، من ذكاء اصطناعي موثوق.

وأوضح أن تحقيق ذلك يرتكز على ثلاثة محاور أساسية تتمثل في الحلول والمعايير والمهارات، مؤكداً أن التعاون الدولي سيكون عاملاً حاسماً في تطوير منظومات الذكاء الاصطناعي، إذ لا يمكن لأي دولة بمفردها بناء سلسلة القيمة الكاملة للذكاء الاصطناعي، كما أن عدداً قليلاً جداً من الدول قادر على توفير جميع المكونات، من الرقائق والنماذج والبيانات والتطبيقات، اللازمة لبناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي محلياً. وشدد في هذا السياق على أهمية تعزيز التعاون الدولي واعتماد المعايير المفتوحة لتفادي العزلة والتجزئة، ودفع التقدم المشترك في مجال الذكاء الاصطناعي، بما يساعد الدول والشركات على اتخاذ الخيارات المناسبة لاحتياجاتها.

كما أبرز دور الاتحاد الدولي للاتصالات، من خلال برنامج AI for Good وشراكاته مع وكالات الأمم المتحدة وهيئات التقييس، في تعزيز التعاون التقني وتطوير المعايير العالمية في مجالات متعددة، من بينها الشبكات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي المتجسد، وأصالة المحتوى متعدد الوسائط، فضلاً عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الصحة، والنظم الزراعية والغذائية، والحد من مخاطر الكوارث، والسلامة على الطرق، والمدن الذكية. وأكد أن نجاح الذكاء الاصطناعي يتطلب بناء منظومات ابتكار قائمة على التفاهم المشترك والثقة، مشيراً إلى AI for Good Lab التي توفر بنية تحتية عامة للذكاء الاصطناعي وإرشادات وخبرات متخصصة، بما يدعم الجميع في تطوير الحلول والمعايير والمهارات اللازمة لتحقيق نجاح مستدام في مجال الذكاء الاصطناعي.

كما شهدت القمة تنظيم حوار رفيع المستوى للقادة بعنوان “من الإعلان إلى التنفيذ: تحويل الالتزامات إلى عمل منسق”، بمشاركة نخبة من المسؤولين والخبراء من المنطقة العربية والأفريقية، ناقش سبل تحويل الالتزامات والاستراتيجيات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي إلى إجراءات عملية ومشاريع قابلة للتنفيذ وقياس الأثر، مع التأكيد على أهمية تعزيز التعاون الإقليمي والدولي وتنسيق الجهود لتحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.

وشارك في الحوار معالي المهندس عبد الباسط الباعور، رئيس الهيئة العامة للاتصالات والمعلوماتية في دولة ليبيا، ومعالي الدكتورة هدى الوحيدي، وكيلة وزارة الاتصالات والاقتصاد الرقمي بدولة فلسطين ورئيسة المجلس التنفيذي للمنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات، وأدارت الحوار السيدة Maryna Veuthey ، المسؤولة الإقليمية في شركة .RealTyme SA

وتأتي الدورة الحالية استكمالاً للمسار الذي أطلقته قمة عام 2025، والتي أرست انتقالاً نوعياً من مفهوم مجتمع المعلومات” إلى “مجتمع الذكاء”، وأسهمت في بلورة خارطة طريق إقليمية وتحديد أولويات مشتركة في مجالات الحوكمة والثقة، والبنية التحتية والسيادة الرقمية، وتنمية المهارات والإدماج.

وتؤكد قمة 2026 أهمية الانتقال من الالتزامات إلى العمل المنسق، ومن الحوار إلى الإنجاز، ومن الإمكانات إلى نتائج وحلول قابلة للتنفيذ والتوسع، بما يضمن توظيف الذكاء الاصطناعي كرافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز القدرة التنافسية والسيادة الرقمية في المنطقة العربية والأفريقية.

وتواصلت خلال القمة مناقشات وجلسات رفيعة المستوى تناولت عدداً من المحاور الاستراتيجية، من بينها حوكمة الذكاء الاصطناعي والثقة والسيادة الرقمية، وبناء منظومات ذكاء اصطناعي مرنة وآمنة، والبنى الرقمية والسيادية، والحوسبة والبيانات، والابتكار والاستثمار، ودعم الشركات الناشئة، إلى جانب التحديات المتصلة بتطور التهديدات السيبرانية والسبل الكفيلة بمواكبة الأمن السيبراني للتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي.

وفي إطار مواصلة تنفيذ مخرجات إعلان تونس الصادر عن قمة 2025، شهدت القمة إطلاق مبادرة مؤشر AI-MUSTAQBAL للذكاء الاصطناعي، بوصفه مؤشراً إقليمياً لقياس مستوى نضج الذكاء الاصطناعي وجاهزية الدول والمنظومات لتبنيه وتطويره، بما يوفر أداة داعمة لصناع القرار في تقييم القدرات وتحديد الأولويات ورصد التقدم في مسار بناء مجتمع الذكاء.

كما شهدت القمة الإطلاق الرسمي لتحالف AWAIL، باعتباره إطاراً إقليمياً يعزز دور النساء في قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة، ويربط القيادات والخبرات والمبتكرات والجهات الشريكة في المنطقة العربية والأفريقية، ويدعم مشاركة أكثر شمولاً وتأثيراً في منظومة التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وخصّص اليوم الثاني من القمة محورًا رئيسيًا للصحة الذكية تحت عنوان “E-Health — Intelligent Health for a Healthier Future”، حيث افتتح أشغاله معالي الدكتور مصطفى الفرجاني، وزير الصحة بالجمهورية التونسية.

وأكد معاليه، في كلمته، أن توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي يجب أن يضع المريض في صميم اهتمامه، وأن يساند الطبيب، بما يضمن تطوير حلول رقمية تستجيب للحاجيات الفعلية والأساسية للمرضى والفرق الصحية. كما أبرز أهمية المستشفى الرقمي والطب عن بُعد في إتاحة خدمات الطب الاختصاصي بالمناطق الداخلية، والحد من عناء التنقل، والتخفيف من الضغط على المستشفيات، بما يسهم في توفير ظروف أفضل للفرق الطبية وتحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين.

وتطرق كذلك إلى أهمية تطوير الملف الطبي الذكي والمعرّف الوطني للصحة، بما ييسّر متابعة المرضى، ويدعم التشخيص المبكر، مع التشديد على ضرورة ضمان حماية المعطيات الصحية وتأمينها.

ودعا الدكتور مصطفى الفرجاني الأطباء والباحثين والمهندسين والمؤسسات الناشئة إلى توحيد الجهود والعمل على تطوير تطبيقات وحلول مبتكرة تستجيب للتحديات الفعلية للمنظومة الصحية وتسهم في تحسين أدائها. وأكد في هذا السياق قدرة الكفاءات التونسية على الابتكار وتطوير حلول محلية من شأنها الارتقاء بجودة الرعاية الصحية وتقريب الخدمات الطبية من المواطنين.

كما ناقش المشاركون آفاق توظيف الذكاء الاصطناعي في تعزيز السيادة الصحية وتحقيق رعاية صحية أكثر عدالة وشمولاً، والانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة التطبيقات الآمنة والموثوقة والمثبتة. كما تضمن هذا المحور محاكاة حية لإدارة الأزمات الصحية في الوقت الحقيقي باستخدام الذكاء الاصطناعي، لاستكشاف قدرات التقنيات الذكية في دعم الكشف المبكر والتتبع والاستجابة والحد من مخاطر تفشي الأمراض والآفات.

وفي سياق ربط الابتكار بالتمويل وتحويل الحلول الذكية إلى فرص اقتصادية قابلة للتوسع، استضافت القمة منتدى الاستثمار الإقليمي في الذكاء الاصطناعي (RAIF)، الذي يوفر فضاءً للحوار بين المستثمرين والحكومات والشركات الناشئة ومؤسسات التمويل والخبراء، حول آليات فتح مسارات جديدة للاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتحويل الابتكارات إلى مشاريع قابلة للنمو وتحقيق أثر اقتصادي ملموس.

كما تناولت أعمال القمة مستقبل الذكاء الاصطناعي في عدد من القطاعات الحيوية، بما في ذلك الزراعة والاقتصاد والابتكار والثقافة، إلى جانب تنظيم حوارات حول التفاعل بين الأجيال والثقافات في صياغة نماذج ذكاء اصطناعي أكثر شمولاً وسيادة وارتباطاً بخصوصيات المجتمعات.

وبالتوازي مع أعمال القمة، نظّمت المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات، يومَي 7 و8 سبتمبر، بالتعاون مع عددٍ من شركائها الإقليميين والدوليين، مجموعةً من الفعاليات وورش العمل المتخصّصة، بمشاركة نخبةٍ من الخبراء والمنظمات الدولية والإقليمية والقطاع الخاص. وشملت هذه الفعاليات مدرسة حوكمة الإنترنت (Internet Governance School)، ودورةً تدريبية بالتعاون مع “سمارت أفريكا” (Smart Africa) حول حوكمة الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية، وورشةً إقليمية بالتعاون مع مجلس أوروبا حول حماية البيانات الشخصية، وورشةَ عملٍ مشتركة بين اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) والمنظمة حول الذكاء الاصطناعي الوكيلي ومستقبل السيادة في المنطقة العربية، إضافةً إلى دوراتٍ تدريبية بالتعاون مع «Novation City». كما احتضنت القمة معرضاً للشركات المتخصّصة في حلول الذكاء الاصطناعي، و”قرية الشركات الناشئة” التي تقدّم حلولاً في هذا المجال، وذلك بالتعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) وصندوق الإيداع والأمانات (CDC)

وشكلت هذه الفعاليات الموازية رافداً مهماً لأعمال القمة، ساهمت في توسيع نطاق الحوار وتبادل الخبرات وتعزيز التعاون وبناء الشراكات العملية حول القضايا الرقمية والذكاء الاصطناعي ذات الأولوية على المستويين العربي والأفريقي.

وتوّجت أعمال القمة بإطلاق/إصدار «إعلان AI4ALL»، الذي يجسد رؤية مشتركة نحو بناء مستقبل للذكاء الاصطناعي يقوم على الشمول والتعاون والمسؤولية والثقة، ويؤكد أهمية تحويل التطور التكنولوجي إلى قيمة مشتركة وأثر تنموي ملموس ومستدام، بما يعزز التعاون بين الحكومات والمنظمات والمؤسسات والقطاع الخاص ومجتمع الابتكار، ويدفع نحو تطوير حلول ومبادرات وشراكات عملية تستجيب للتحديات والفرص التي يفرضها عصر الذكاء الاصطناعي.

كما شهدت القمة اسناد جوائز AI-Forward 2026، للاحتفاء بالتميز والمبادرات المتميزة في مجال الذكاء الاصطناعي، وتقدير الجهود التي تسهم في تطوير الابتكار وتعزيز الاستخدام المسؤول والمؤثر للتكنولوجيات الذكية.

وتؤكد المنظمة العربية لتكنولوجيات الاتصال والمعلومات (AICTO) أن تنظيم النسخة الثانية من القمة يعكس تنامي الزخم الإقليمي والدولي حول ضرورة بناء مجتمع ذكاء قائم على التعاون والثقة والابتكار والاستثمار وتنمية القدرات، مشددة على أهمية الانتقال من الحوار إلى العمل وتحويل الرؤى والاستراتيجيات إلى برامج ومبادرات وشراكات ومشاريع ذات أثر ملموس وقابل للقياس.

وتجدد المنظمة التزامها بمواصلة العمل، بالتعاون مع شركائها من الحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية ومجتمع الابتكار، من أجل صياغة مستقبل ذكي وآمن وشامل ومستدام، تتحول فيه الرؤية إلى قيمة، والتكنولوجيا إلى أثر، والابتكار إلى حلول تخدم الإنسان والتنمية والمستقبل.